test

إصدار: النساء، الجمعيات و السياسة في الدار البيضاء

يعالج هذا الكتاب التحولات التي مست المجال الجمعوي المغربي في العقود الأخيرة وذلك اعتمادا على مادة تتكون من مسارات جمعتها المؤلفة عبر استجوابات لثلاثين امرأة يسيرن جمعيات محلية ويقطن داخل الأحياء الشعبية لمدينة الدار البيضاء (كسيدي مومن والبرنوصي أو الحي المحمدي) حيث ينخرطن في العمل الجمعوي المحلي.

 

هذا المدخل الذي وقع عليه الاختيار في التحليل، يتميز في اوجه كثيرة عن المقاربات المعتادة ؛ حيث يركز على مسار لا يزال غير معروف لفاعلين جمعويين يميلون أكثر فأكثر للانخراط في العمل الجمعوي المحلي على هامش المركز السياسي. ومن جهة أخرى، فإن مؤلفة الكتاب عملت على تجاوز فكرة التوظيف السياسي للمرأة و هي فكرة متداولة في الابحاث حول المرأة و السياسة بالمغرب. انطلاقا من هذا الموقف المنهجي تنظر مقاربة الكتاب إلى النساء كفاعلات تحاول، بشكل أكثر او اقل فعالية، فرض نفسها في وسط جمعوي ظل حثى السنوات الاخيرة مجال يهيمن عليه الرجال بالخصوص. و يتعرض الكتاب اخيرا الى بعض التغيرات التي عاشها المغرب، متفاديا الانخراط مع النظرة التحليلية المبنية على فرضية الانتقال الديمقراطي للبلاد. فبدلا من ذلك تفضل المؤلفة اعتماد قراءة تركز على التحولات الاجتماعية والسياسية مؤكدة على ازدواجية هذه التحولات التي يجتازها المغرب اليوم.

اعتمادا على مسارات سناء، البطلة الجمعوية في حيها و حنان، الأرملة الشابة المعروفة بنقابها والتزامها مع شباب الحي أو الحاجة زبيدة ،البالغة من العمر أزيد من ستين عاما وهي شخصية محلية أساسية، تقدم الكاتبة لوحة جد غنية للتركيبات المتعددة الملاحظة في مختلف أحياء مدينة الدار البيضاء. وبالموازاة تعالج الكاتبة العديد من المواضيع الراهنة مثل الحكامة المحلية و آثار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية و مشاركة المرأة في التنمية أو حتى العلاقات الازدواجية التي تربط جمعيات الأحياء بالأحزاب السياسية طارحة عدة تساؤلات. فكيف نجحت ثلاثون امرأة في أن تصبحن وتبقين مسيرات جمعيات ؟ و كيف يمكن تفسير التزامهن ؟ هل نحن بصدد تجديد في نخب الجمعيات المحلية على اثر تشجيع وتثمين العمل الجمعوي من قبل السلطات العليا ؟ ما هي الميكانيزمات الجديدة لمراقبة الجمعيات التي تتطور في الوقت ذاته ؟ وفي ألأخير هل هذه التحولات تواكبها إعادة تشكيل ميزان القوى بين الرجال والنساء، بين الأحزاب السياسية والجمعيات، بين الفاعلين القدامى والمتدخلين الجدد، و بين المنتخبين المحليين وممثلي السلطة المركزية ؟

هندسة الكتاب

يتألف الكتاب من جزأين رئيسيين؛ خصص الأول لظروف ولوج الثلاثين امرأة، عينة البحث، إلى العمل الجمعوي. ففي بداية هذا الجزء، يتطرق الكتاب لتاريخ استقرار عائلات ممثلات الجمعيات في مدينة الدار البيضاء (الفصل 1) ثم للمسار الدراسي والجامعي والمهني والعاطفي للعينات المدروسة (الفصل2)، ثم اتصالهن بالوسط الجمعوي (الفصل 3). وقف هذا الجزء الأول بعد ذلك عند السياق الذي انتقلت خلاله نساء عينة البحث، إلى الإنجاز العملي بحيث تناول الفرص الجديدة التي أتيحت للعمل الجمعوي بفعل السياسات التي وضعتها الدولة لتشجيع الجمعيات المحلية وكذا الإكراهات الكثيرة التي تقف عائقا أمام تحقيق أهدافها (الفصل 4) كما تطرق هذا الجزء إلى الإجراءات الحالية الهادفة إلى تشجيع مشاركة المرأة في المغرب (الفصل 5). 

أما الجزء الثاني، فيقدم تحليلا للطريقة المتبعة من طرف النساء من أجل الحفاظ على مركزهن كمسيرات للجمعيات في محيط مليء بالإكراهات وأحيانا بالعداء . ففي هذا الجزء تبرز الكاتبة كيف امتلكت الثلاثون امرأة أطر الشرعية المنبثقة من السياسات التنموية المعتمدة حاليا (الفصل 6) وكيف تحاولن تجاوز العراقيل الصادرة  من محيطهن القريب (الفصل 7). ثم يحلل هذا الجزء علاقات السلطة السائدة داخل الجمعيات المختلطة التي سبق ان انخرطت فيها بعض من هؤلاء القياديات الجمعوية او لا تزال ، كما يسعى لتحليل الإستراتيجيات المعتمدة من طرف من يحاول من بينهن احتلال مواقع قيادية في أعلى الهرم الجمعوي (الفصل 8). وفي النهاية يقدم الكتاب تحليلا لمشاركة العديد من نساء عينة البحث في الحملة الانتخابية لسنة 2007 وذلك بهدف إبراز حدة العلاقات المزدوجة التي تربطهن بالأحزاب السياسية والمنتخبين المحليين (الفصل 9).

الخلاصات الاساسية   

من خلال تتبع مسار ثلاثين امرأة في مدينة الدار البيضاء تبرز ديناميات تبدو متناقضة، مع انها مترابطة في العمق. يؤشر ظهور القياديات الجمعوية المحلية على قطيعة واضحة مع التوزيع التقليدي للأدوار بين الرجال والنساء حيث كانت الجمعيات مجالا ذكوريا قبل كل شيء. فنساء عينة البحث لم تنجح فقط في إيجاد مكان لهن في عالم الرجال ، بل إن بعضهن استطعن فرض نفسهن على المستوى المحلي امام النخب المحلية الجمعوية. مع العلم ان هذه النخب المحلية تتوفر على موارد اجتماعية وثقافية و اقتصادية اكثر اهمية مكنتها من الهيمنة على المشهد الجمعوي المغربي منذ 1990. ومن بين العوامل العديدة التفسيرية لهذه المسارات، يمكن الإشارة إلى الإمكانية التي تتوفر عليها القياديات التي تم استجوابهن في تحويل جهودهن إلى موارد وازنة بالاعتماد على أصولهن وكفاءتهن الدراسية وأيضا مجرد كونهن نساء. وهكذا فإن المسارات والإستراتيجيات الفردية قد لعبت دورا مهما في هذا السياق. لكن من الضروري الإشارة كذلك إلى أن هناك تأثيرا لإجراءات السلطات العمومية في تثمين وتشجيع مبادئ المشاركة وسياسة القرب وإدماج العنصر النسوي في الحياة العامة.       

ومع ذلك، لا تزال هناك العديد من العراقيل. فإنعاش مشاركة النساء يعني تواصل مستمر بين الرجال والنساء والحالة هته أن الاختلاط بين الجنسين حينما يتم في سياق جمعيات الأحياء المدروسة يفقد مصداقيته في محيط النساء التي تمت دارستهن وبالتالي يبقى ولوج النساء إلى الجمعيات محدودا. من جهة أخرى إدماج النساء في الجمعيات المحلية غالبا ما يرافقه تقسيم للعمل مبني على مبدأ التكاملية بين الجنسين. ففي حين تعود وظائف المسؤوليات العليا (مثل الرئاسة) في غالب الاحيان الى الرجال ، تكتفي النساء بالأنشطة التي تستهدف الأطفال والنساء. و هكذا يبقى الارتقاء العمودي للنساء محدودا. اما السياسات التي نهجتها الدولة لإنعاش الجمعيات فتفترض مراقبة متزايدة لهده الجمعيات. وبالتالي فان ممثلات الجمعيات التي لا تتوفر فيها المعايير التي حددتها السلطات تجد صعوبات في فرض وجودهن على المدى البعيد.

والحالة هذه أن مختلف الأطراف النسائية موضوع هذا الكتاب يعتمدن إستراتيجيات لتجاوز هذه الإكراهات و محاولة تجاوزها غالبا ما تعيد إنتاج المعايير التي تولدت عنها تلك الإكراهات عوض مساءلتها. فمن اجل ضمان الدعم الأسري والحفاظ على سمعتهن الخاصة، اختارت العديد من النساء التقريب بين العائلة والجمعية مع السهر على احترام تام للحدود الرمزية التي تفصل الرجال والنساء. كانت نتيجة هذه الإستراتيجية المزدوجة هي نقل علاقات السلطة السائدة داخل العائلة إلى الجمعية وبالتالي توسيع الفجوة التي تفصل بين الرجال والنساء. وسعيا منهن إلى احتلال مراكز المسؤولية التي تتجاوز المهام الموكولة إليهن عادة تعمل النساء من جهة أخرى على تملك النماذج النمطية التي تميز بين الأدوار الخاصة بالإناث وتلك التي يقوم بها الذكور. حيث الغاية من ذلك هي تثمين إضافتهن الخاصة للعمل الجمعوي وفي نفس الوقت نزع المصداقية على عمل الفاعلين الجمعويين من الرجال. وتساهم هذه الإستراتيجية، ليس فقط في تكريس النماذج النمطية وتعميق الهوة الاجتماعية و المجالية بين الجنسين وانما تساهم كذلك في تجزيء المجال الجمعوي أكثر فأكثر

source

Show More

Laisser un commentaire

Votre adresse courriel ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *